الشيخ السبحاني
23
رسائل ومقالات
وفي خطبة أُخرى : الحمد للَّه الذي لا تُدركُه الشواهدُ ، ولا تَحويه المشاهدُ ، ولا تَراه النواظرُ ، ولا تحجُبُه السواتِرُ « 1 » . وفي كلامه لذعلب اليماني عندما قال له : هل رأيت ربّك يا أمير المؤمنين ؟ فقال عليه السلام : « أفأعبد ما لا أرى ؟ » فقال : وكيف تراه ؟ فقال : « لا تدركه العيون بمشاهدةِ العِيانِ ، لكن تدركه القلوبُ بحقائقِ الإيمانِ ، قريبٌ من الأشياءِ ، غيرَ ملابِس ، بعيدٌ منها غيرَ مُباين » « 2 » . وأمّا ما يستدل به على جواز الرؤية في الآخرة فليس بتامّ ، وقد استدلّ القائلون بجوازها قديماً وحديثاً بقوله سبحانه : « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ » « 3 » . والدقة في الآيات الأربع توقفنا على أنّ المراد بالنظر هو انتظار الرحمة وذلك لوجهين : 1 - إنّه سبحانه : يسنِد النظر إلى الوجوه لا العيون ، فلو كان المراد من النظر هو الرؤية كان اللازم أن يقول مكان « الوجوه » : العيون . 2 - إنّ مقابلة بعض الآيات ببعض يرفع الإبهام عن قوله : « إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ » ويتعيّن كونه بمعنى انتظار الرحمة وذلك بالشكل التالي : أ - « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ » يقابلها قوله : « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ » . ب - « إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ » يقابلها قوله : « تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ » . لا شك أنّ الفقرتين الأوليتين واضحتان جداً ، وإنّما الكلام في الفقرة الثالثة
--> ( 1 ) . نهج البلاغة : الخطبة 180 . ( 2 ) . نهج البلاغة : الخطبة 174 . ( 3 ) . القيامة : 22 - 25 .